التقوقع الثقافي والانفجار الحضاري

فارس الذهبي
بينما تعيش البلاد السورية حالة برزخ بين ما اصطلح على تسميته بـ “التقوقع الثقافي”، وبين الانفتاح بالمفهوم العالمي الجديد للعولمة متعددة النتائج، يجد المجتمع السوري نفسه خاضعًا لتحولات عميقة ومتراكمة أثرت وتؤثر وستظل تؤثر في حياة أفراده. أما السؤال المركزي هنا فهو: كيف تحولت المجتمعات السورية، التي طالما كانت مراكز للتلاقح الحضاري، إلى مجتمعات منغلقة على ذاتها، ثم إلى ساحات صراع دموي فيما بينها؟
التقوقع الثقافي (Culturalisme) هو مفهوم سوسيولوجي يرى أن كل بيئة ثقافية تُكسب الفرد شخصية وسلوكًا وأفكارًا وعقلية مميزة، لكنه يفترض أن أي تفاعل أو تداخل مع ثقافات أخرى يؤدي بالضرورة إلى فقدان الأصالة. بهذا المعنى، فإن التقوقع ليس مجرد انعزال جغرافي، بل هو موقف ذهني ودفاعي يسعى لحماية الهوية من أي تماس خارجي، حتى لو كان التفاعل يحمل فرصًا للتجدد.
في المقابل، يشير الانفتاح الثقافي (Cultural Openness) إلى نية الأفراد أو المجتمعات لتقبّل الآخر، والتعاطي والتفاعل، واحتضان الثقافات والأفكار المختلفة. يتضمن هذا الانفتاح فضولًا تجاه طرق الحياة الأخرى، بغاية التطور أو ربما التقليد وتجريب أشياء جديدة، أو احترامًا للتنوع. وهو لا يعني الذوبان أو التبعية، بل القدرة على جعل التعددية مصدر ثراء بدلًا من مصدر تهديد. فالمجتمعات أو الأفراد الثابتة دون تطور هي مجتمعات ميتة حضاريًا.
الفارق الجوهري إذن يكمن في أن التقوقع يبني هوية على الخوف من الآخر، بينما يبني الانفتاح هوية على الثقة بالنفس والقدرة على التفاعل.
لم يكن الصدام موجهًا ضد السلطة المتحجرة وحدها، بل انفجر المجتمع أيضًا في وجه ذاته: مجازر وعنف طائفي وانتقامات جماعية متراكبة مع انعدام كامل للتضامن المواطني، أو حتى التكافل الاجتماعي أثناء الأزمات.
جذور الانغلاق في المجتمع السوري
منذ العصور المتأخرة، أسهمت البنى التقليدية (كالزوايا الصوفية، والطوائف الدينية، والحارات المغلقة)، وسيطرة الفكر الديني وتوابعه الشعبية الممتدة في جذور الخرافة والأساطير والنقل الهدام، في تشكيل عقلية تحتمي بالداخل وتخشى الخارج. الخوف من الآخر شكّل، بالتالي، ركيزة أساسية في صياغة الهوية. وهكذا ظهرت جدران نفسية واجتماعية صنعت من المجتمع فسيفساء متجاورة، لكنها لا تلتقي إلا في حدود ضيقة، وهي قابلة للتعايش طالما هي ترزح تحت المستوى نفسه من القمع والنهب والإرهاب، أو السيطرة والتحكم.
أسهم التفاوت الطبقي/الاقتصادي الحاد بين المدينة والريف، وبين العائلات التجارية الكبرى والفئات المهمشة، في تعزيز الانغلاق. الثروة تركزت في أيدي شبكات ضيقة من التجار وكبار الملاك، ومن ثم تبدلت الألقاب لتصبح شبكة من الأوليغارشية التابعة للنظام الدكتاتوري، بينما انسحبت الجماعات الأضعف إلى “غيتوات” اقتصادية واجتماعية داخلية. وبدل أن يكون الانفتاح وسيلة للحراك الاجتماعي، بات يُنظر إليه كتهديد لمصالح الطبقات المهيمنة.
أثر الانغلاق المنسوب إلى بعد ديني وطائفي على الحياة الثقافية، فارضًا أجنداته ومحاذيره على مختلف تجليات الأدب والفن والتعليم وحتى على الرياضة والموروث المتعلق بقائمة الطعام. فبينما كانت سوريا عبر التاريخ محط قوافل وحجاج وتجار وفنانين، تقلصت هذه الدينامية تدريجيًا، بحيث أصبح الإبداع محصورًا في قوالب تقليدية، وتراجع مفهوم “المواطنة المشتركة” المستندة إلى حكم القانون المدني لحساب الانتماءات الطائفية والطبقية. حتى في لحظات الانفتاح النسبي، كان التوجس حاضرًا: الانفتاح على الآخر لم يُعش بوصفه تجربة حوارية، بل كمراقبة أو احتكاك عابر يثير الريبة أكثر مما يبني الثقة، أو في أحسن الأحوال كشعار يردده الجميع علانية قبل أن يرتدوا طائفيًا وإثنيًا إلى زواياهم التي تحميهم من جور الفضاء العام وظلمه وعدم إنصافه، فهو – كما يرون – منحاز دومًا إلى الأقوى والأكثر ثقة ونفوذًا.
خلال العقود الأخيرة، جاء الاستبداد السياسي ليضيف قشرة صلبة فوق القوقعة القديمة. فالأنظمة الأمنية عززت الانغلاق عبر سياسات تقوم على التخويف والتقسيم والرقابة. وبدل أن تكون الدولة جسرًا للتكامل بين المكونات، أصبحت سلطة تغذي انعدام الثقة المتبادل، وتعتاش على تفرقة أفرقاء المجتمع وتقسيمهم لتسهيل السيطرة عليهم، واللعب على التناقضات فيما بينهم لضربهم ببعضهم البعض في اللحظات التي تحتاج فيها إلى شق وحدة صف المجتمع وتفتيت الشعب.
تراكم الغضب المكتوم داخل القوقعة ليتحول إلى انفجار هائل في العقد الأخير. لم يكن الصدام موجهًا ضد السلطة المتحجرة وحدها، بل انفجر المجتمع أيضًا في وجه ذاته: مجازر وعنف طائفي وانتقامات جماعية متراكبة مع انعدام كامل للتضامن المواطني، أو حتى التكافل الاجتماعي أثناء الأزمات. تقوقع استمر قرونًا ولم يجد عند الانهيار سوى أن يتحول إلى تمزق دموي.
حتى أواخر العهد العثماني، كانت المدن السورية الكبرى تعيش حالة من التآكل الداخلي، والتراجع الاقتصادي، وتحول البنى التقليدية، ما جعل المجتمع السوري بمختلف أطيافه وإثنياته أكثر انغلاقًا. ومع الحرب العالمية الأولى وسقوط سلطنة الباب العالي، انكسرت القوقعة الخارجية التي وفرت مظلة حماية شكلية، فإذا بالسوريين يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة تيارات العصر الحديث: القومية، الاستعمار، الأحزاب، التكنولوجيا، التعليم الحديث والاقتصاد الرأسمالي وما إلى ذلك من عناوين وتحديات.
كان ذلك أشبه بانكشاف غير مهيأ أمام عاصفة التاريخ. لم يعد ممكنًا الاستمرار في العزلة، لكن البنية الداخلية للمجتمع لم تكن مهيأة للتفاعل الإيجابي. هنا بالضبط تجلت المعضلة: كيف نواجه الحداثة ونحن نحمل عقلية القرون الماضية؟ إذ انعزلت الطوائف الدينية التي مورس بحقها نوع من الاضطهاد الديني بغية الضغط عليها بنية الاندماج وتغيير الهوية، فانعزلت في مناطق جغرافية تحميها، وبالتالي انعزلت تمامًا عن المحيط واستطاعت الاكتفاء ذاتيًا عابرة العقود والقرون. في حين أن المدن السورية، التي تحتضن تاريخيًا التغيير، أحاطت نفسها بأسوار وقلاع، ومنعت التغيير من الدخول إلا بما تتطلبه المرحلة بشكل انتقائي ومراقب، وغالبًا ما كان يتم الارتداد عنه لاحقًا بفعل تضامن القوى المتضررة. دون أن ننسى أن داخل تلك الأسوار كانت الجماعات تتقاسم الفضاء الحيوي بحارات مغلقة مختلفة عن بعضها، لا تلاقح أو حوار حضاري فيما بينها إلا بالحدود الدنيا، ولا حوار بين المدن والريف إلا ما ندر. وبذلك أصبحت البلاد السورية عبارة عن جزر منعزلة منفصلة تمارس الحد الأدنى للتغيير الذاتي عبر نبذ المختلف وتبني السائد، ومن جهة أخرى عبر شيطنة الآخر القادم لإلغاء الهوية والنسف الثقافي والديني والإيماني العقائدي، ضمن سلسلة من الأوهام التي تمترس خلفها حتى الأحزاب السياسية العلمانية والمدنية المعاصرة في عصر الدكتاتورية، مثل أحزاب الجبهة الوطنية وتوابعها، التي أصبحت منعكسًا تلقائيًا للعزلة الحضارية والثقافية.
على كل حال، سوريا ليست استثناءً في هذا السياق، فقد شهد العالم تجارب مشابهة من الانغلاق والانفجار. فاليابان، على سبيل المثال، عاشت ثلاثة قرون من سياسة “العزلة” (الساكوكو) التي فرضها الشوغونات، حتى جاءت “سفن الكومودور بيري السوداء” منتصف القرن التاسع عشر لتفتح البلاد بالقوة. لكن اليابان حولت الصدمة إلى مشروع تحديث شامل تمثل في إصلاحات ميجي، حيث استعارت من الغرب التكنولوجيا والنظم السياسية، لكنها أعادت صياغتها بروح يابانية. وبالتالي، الانفتاح هنا لم يكن ذوبانًا، بل إعادة تموضع واثقة. بدورها عاشت الصين قرونًا خلف سورها العظيم، لكن حين اقتحمتها قوى الغرب في حروب الأفيون، وجدت نفسها في مواجهة صدمة حضارية عمق آثارها الضعف الداخلي والجمود المؤسسي، فإذا بها تعجز – بداية – عن استيعاب الصدمة. وعليه فقد احتاجت الصين قرنًا كاملًا من الفوضى والمهانة قبل أن تبدأ مسارًا جديدًا من الانفتاح المدروس.
في تأمل عميق لهذه المقارنات، يتبين لنا أن الانغلاق لا يقود بالضرورة إلى الانهيار، بل يمكن أن يكون مقدمة لمشروع نهضة، شرط أن تُدار الصدمة بوعي سياسي وثقافي. أما في سوريا والعالم العربي، فقد بقيت المجتمعات أسيرة تقوقعها، ثم أضيفت إليها أنظمة استبدادية منعت أي مشروع تحديث حقيقي.
إن تجاوز مأساة سوريا لا يمكن أن يتحقق عبر شعارات عامة عن التعايش، بل من خلال تفكيك عقلية التقوقع التي تجذرت على مدى قرون طويلة ماضية. والمطلوب بالتالي، هو إعادة تعريف الانفتاح الثقافي.
سوريا والقرن الحادي والعشرون
مع مطلع القرن الحادي والعشرين، انفجرت التناقضات المكبوتة، بعد أن اكتشفت المجتمعات السورية أن إرثها ليس سوى قوقعة فارغة؛ لا هي قادرة على الاستمرار في العزلة، ولا هي مهيأة للانفتاح، خصوصًا أن الاستبداد السياسي دمر مساحات الحوار – سياسيًا كان أم معرفيًا أو مدنيًا – بين أي قوقعة ثقافية وأخرى. كما أن الأطياف الدينية والطائفية أغلقت أبواب التلاقي. النتيجة كانت هشاشة شاملة عند لحظة الانفجار: وإذا بكل جماعة تتعامل مع الجماعة التي تتشاركها الأرض والتاريخ واللغة والتطلعات بوصفها العدو، بدل أن تشكل الجماعات جميعها جبهة متماسكة متراصة موحدة لتمارس دورها الرقابي والتفاعلي مع السلطة التي تحتاج دومًا إلى معارضة. فأي سلطة لا معارضة وطنية لديها ستتحول إلى سلطة مطلقة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
إن تجاوز مأساة سوريا لا يمكن أن يتحقق عبر شعارات عامة عن التعايش، بل من خلال تفكيك عقلية التقوقع التي تجذرت على مدى قرون طويلة ماضية. والمطلوب بالتالي، هو إعادة تعريف الانفتاح الثقافي، لا كذوبان في الآخر، بل كقدرة على التفاعل بثقة مع العالم، واستيعاب الاختلاف بوصفه مصدر ثراء لا تهديد.
أخيرًا وليس آخرًا، فإن المجتمع الذي لا يرى في التنوع سوى خطر، محكوم عليه أن ينفجر في وجه ذاته. أما المجتمع الذي يعترف بالاختلاف ويحوّله إلى أساس لبنية مشتركة، فهو وحده القادر على العبور من البرزخ إلى المستقبل.